×
آخر الأخبار
موكب جماهيري حاشد يجوب شوارع مأرب احتفاءً بذكرى ثورة 26 سبتمبر القوات المسلحة: الطيران الحربي يستهدف بعدة غارات تجمعات وآليات مليشيا الحوثي في تعز مأرب.. "العرادة" و "بن عزيز" يوقدان الشعلة الأم للعيد الـ 64 لثورة 26 سبتمبر المجيدة رئيس مجلس القيادة يدعو إلى التعبئة العامة ويفتح باب العودة الآمنة للمغرر بهم رصد إعلامي.. 422 قتيلًا حوثيًا بعضهم ينتحل رتب عليا وقادة ميدانيون خلال 20 يوم محور طور الباحة: طريق هيجة العبد آمنة وسالكة أمام حركة المرور الدكتور عبدالله العليمي يبحث مع وزيرة خارجية النمسا مستجدات الأوضاع في اليمن وأمن باب المندب صنعاء.. مليشيات الحوثي تتغذى على الحرب والقيادات تستثمر في العقارات وسط اتساع الفقر بين المواطنين ذمار.. أب يناشد لإنقاذ ابنه بعد اقتياده من مشرف حوثي تمهيدًا لإرساله إلى جبهة تعز مأرب.. الحركة الكشفية الشبابية والطلابية تنظم مسيرة احتفالية وعروضاً كشفية في شوارع المدينة احتفاءً بأعياد الثورة

من ذاكرة الإمامة إلى ذاكرة الجمهورية.. 26 سبتمبر التي لم يستطع القهر إطفاء نورها

السبت, 26 سبتمبر, 2026 - 09:10 مساءً


لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 مجرد تغيير سياسي في تاريخ اليمن، بل كانت انفجاراً تاريخياً لسنوات طويلة من القهر والتهميش والتمييز وغياب المشاركة السياسية، وكانت بالنسبة لقطاعات واسعة من اليمنيين إعلاناً بأن الإنسان اليمني يستحق أن يعيش حراً، متساوياً في الحقوق والواجبات، وأن الدولة ليست ملكاً لأسرة أو جماعة، وإنما مؤسسة عامة تقوم على القانون وإرادة المجتمع.

وقبل أن تشرق شمس سبتمبر، عاش اليمن عقوداً طويلة في ظل نظام الإمامة المتوكلية، وسط عزلة سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة، وانتشار واسع للأمية والفقر، وغياب المؤسسات الحديثة ومحدودية وسائل الاتصال والتوثيق. ولهذا فإن جزءاً كبيراً من معاناة اليمنيين في تلك المرحلة لم يجد طريقه إلى الكاميرات أو التسجيلات أو الأرشيفات الحديثة، لأن أدوات التوثيق نفسها كانت غائبة، ولأن المجتمع كان يعيش في بيئة يغلب عليها الفقر والأمية والخوف، فضلاً عن ضعف مؤسسات العدالة وآليات المساءلة.

وهنا تكمن إحدى أكبر مآسي التاريخ اليمني، أن كثيراً من آلام الناس ماتت مع أصحابها، وأن وقائع كثيرة لم تصل إلى الأجيال اللاحقة إلا عبر الرواية الشفوية، أو شهادات الناجين، أو ما حفظته بعض الوثائق والمذكرات والكتابات التاريخية.

في تلك البيئة نشأت حركة وطنية أخذت تنمو وتدفع باتجاه الإصلاح وإنهاء الحكم الإمامي وإقامة دولة حديثة. وكان من أبرز رموزها محمد محمود الزبيري، وأحمد محمد نعمان، ومحمد مطهر، ومحمد اللقية، وغيرهم من الأحرار والمناضلين الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل فكرة الدولة والحرية.

لم يكن أولئك الرجال يتحركون بحثاً عن امتياز شخصي؛ بل حملوا مشروعاً وطنياً اصطدم بنظام كهنوتي طائفي مغلق، وكانت كتاباتهم وخطبهم ونضالاتهم جزءاً من المخاض الذي انتهى إلى ثورة 26 سبتمبر.

وفي فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962، انطلقت الثورة التي أطاحت بحكم الإمامة وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البلاد.

كانت الجمهورية، في جوهرها، إعلاناً بأن اليمني ليس تابعاً لسلالة، ولا رعية لأسرة حاكمة، بل مواطن له حقوق وعليه واجبات، ولذلك ارتبطت أهداف الثورة بمفاهيم التحرر من الاستبداد، وبناء الدولة، وإقامة العدل، والمساواة، وإنهاء الامتيازات الطبقية، وتوسيع التعليم والخدمات، وبناء جيش وطني ومؤسسات دولة حديثة.

إنها ثورة لم تنتهِ يوم إعلانها، ولم يكن الطريق إلى الجمهورية سهلاً، فبعد الثورة اندلعت الحرب بين الجمهوريين والملكيين واستمرت سنوات، ودفع اليمنيون ثمناً باهظاً من الدماء والدمار، وبقيت الجمهورية مهددة، واضطر الثوار والمدافعون عنها إلى خوض معارك عسكرية وسياسية واجتماعية للحفاظ على النظام الجمهوري.

وهكذا فإن 26 سبتمبر كانت سنوات من التضحيات التي قدمها اليمنيون دفاعاً عن الجمهورية الوليدة، لقد مات رجال، وتشردت أسر، وخسر اليمنيون أبناءهم، لكن الجمهورية بقيت.

ومن هنا فإن الحديث عن سبتمبر لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة إسقاط النظام الإمامي، بل يجب أن يتذكر أيضاً أولئك الذين حموا الثورة في سنواتها الأولى ودافعوا عن النظام الجمهوري في وجه محاولات استعادة الحكم الملكي.

بعد عقود من قيام الجمهورية، دخل اليمن في تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، وتعرضت مؤسسات الدولة لأزمات واختلالات عديدة.

منذ سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م وقوضت مؤسسات الدولة، وثقت منظمات دولية ومحلية، وهيئات تابعة للأمم المتحدة، طيفاً واسعاً من الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الحوثي اليمني، ومن بينها الاختطافات والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، وتقييد حرية التعبير، وتجنيد الأطفال، واستهداف المدنيين، ومصادرة الممتلكات، والاعتداء على المؤسسات العامة والخاصة، إضافة إلى انتهاكات أخرى للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ووثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية ومحلية حالات عديدة من هذه الانتهاكات.

ولعل أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة كان متعلقاً بمحاولة التأثير في الذاكرة الوطنية نفسها، فالذاكرة وعي المجتمع بذاته، ولهذا فإن تغيير أسماء المدارس والشوارع والمؤسسات، أو حذف رموز وابطال سبتمبر من المناهج، أو إعادة صياغة تاريخ الثورة بطريقة تنتقص من مضمونها الجمهوري، أو التضييق على إحياء مناسبات وطنية، كلها قضايا تتجاوز الجانب الإداري لتلامس حق المجتمع في الحفاظ على ذاكرته التاريخية.

وتشير تقارير حقوقية وإعلامية دولية ومحلية إلى تعرض أشخاص للاختطافات والتهديد والملاحقة والاعتقال التعسفي أو الاحتجاز على خلفية مشاركتهم في  احتفالات أو أنشطة مرتبطة بذكرى 26 سبتمبر ورفع العلم الجمهوري، وهي ممارسات تثير مسائل جوهرية تتعلق بحرية التعبير والتجمع السلمي وعدم جواز العقوبة على ممارسة الحقوق الأساسية.

على مدى سنوات الحرب التي اشعلتها مليسيا الحوثي، شهد اليمن انتهاكات واسعة تركت آثاراً عميقة على المجتمع، هناك ألاف الانتهاكات من قتل تحت التعذيب أو في ظروف احتجاز غامضة، وهناك مختفون لا تعرف أسرهم مصيرهم، وهناك معتقلون أمضوا سنوات خلف القضبان دون محاكمة عادلة، وأطفال جرى تجنيدهم وتعرضوا للاستغلال في الحرب، ونساء تعرضن لانتهاكات وقيود متعددة، وأسر فقدت مساكنها ومصادر رزقها، ومؤسسات قضائية وتعليمية وصحية تعرضت للانقسام والتدهور، كما تسببت هذه المليشيات في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وموجات واسعة من النزوح والتشرد القسري، وألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية والخدمات العامة والاقتصاد.

إن الصراع مع مليشيات الحوثي في جوهره يتمثل حول شكل الدولة ومفهوم المواطنة المتساوية، فالنظام الجمهوري، كما نص عليه الدستور اليمني، يقوم على مبدأ المواطنة والمساواة وسيادة القانون، بينما تثير دعواتهم القائمة على التمييز في الأصل أو النسب أو منح فئة بعينها حقاً متميزاً في الحكم إشكالات جوهرية أمام مبدأ المساواة وعدم التمييز، ولهذا فإن رفض اليمنيين لأي مشروع يقوم على الامتياز الطائفي أو السلالي ينبغي أن يفهم باعتباره دفاعاً عن مبدأ أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وأن السلطة العامة لا تورث ولا تحتكر بالنسب، وهذا المبدأ يحمي المجتمع كله من إعادة إنتاج أي شكل من أشكال التمييز.

في كل عام، ومع اقتراب السادس والعشرين من سبتمبر، يعود العلم الجمهوري إلى الواجهة، وتعود الأغاني والأناشيد والأهازيج والصور والقصائد والرسائل التي تستعيد قصة الثورة، وتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة لاستحضار رموز سبتمبر، وتنتشر صور الشهداء والمناضلين، وتقام الفعاليات والاحتفالات والكرنفالات في مناطق مختلفة من اليمن، في مشهد يعكس استمرار حضور المناسبة في الوعي الشعبي.

لقد عاش اليمنيون في الماضي زمناً لم تكن فيه الكاميرات حاضرة لتسجل كل شيء، لم تكن هناك هواتف ذكية، أو شبكات تواصل اجتماعي، ولم تكن هناك آليات وطنية متخصصة للتوثيق وحفظ الأدلة، وكانت الأمية والخوف والعزلة وضعف المؤسسات عوامل إضافية جعلت كثيراً من الانتهاكات تضيع دون سجل.

لكن اليوم مختلف، فجرائم العصر الحديث يجري توثيقها بالصور والفيديو والشهادات والتقارير الطبية والقضائية والحقوقية، وتوجد منظمات محلية ودولية وآليات أممية تعمل على جمع المعلومات وحفظها، وهذا يفرض مسؤولية تاريخية على كل من يوثق الانتهاكات، فالتوثيق والعدالة والمساءلة ليست انتقاماً أو تصفية حسابات، إنها أدوات لحماية الضحايا ومنع تكرار الجرائم، ولا مستقبل بلا حقيقة وعدالة

إن اليمن الذي دحر الإمامة لن يعود إلى أي شكل من أشكال الحكم القائم على الامتياز، واليمن الذي عانى من الحروب لا ينبغي أن يترك جرائم الحرب والانتهاكات بلا مساءلة، واليمن الذي دفع أبناؤه ثمناً باهظاً من أجل الجمهورية يحتاج إلى دولة قانون قادرة على حماية الجميع، بعيدا عن التمييز أو الإفلات من العقاب.

بعد أكثر من ستة عقود على الثورة، لا تزال 26 سبتمبر حاضرة في الوجدان اليمني، لأنها ارتبطت في الوعي العام بمفاهيم الحرية والمواطنة والمساواة والجمهورية، فالشعوب التي عرفت معنى الحرية يصعب أن تنسى طريقها إليها.

لقد دفع اليمنيون تضحيات باهظة في سبيل الجمهورية، ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف كيف بدأت الحكاية، ومن هم الرجال الذين حملوا راية التحرر، ومن دفعوا حياتهم ثمناً لها، وكيف حافظ اليمنيون على جمهوريتهم في سنوات الحرب الأولى، وكيف تعرضت الدولة لاحقاً للتفكك والصراع والانتهاكات، والفرق بين ماضي الإمامة وحاضر التوثيق أن جرائم اليوم لا ينبغي أن تختفي في ظلام النسيان، فالشهادات والصور والوثائق والتقارير الحقوقية كلها موجودة والضحايا وأسرهم موجودون، والذاكرة الوطنية أيضاً موجودة.

ولهذا فإن كل انتهاك موثق ينبغي أن يبقى جزءاً من سجل الحقيقة، إلى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه اليمنيون بناء منظومة عدالة مستقلة تنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين عن الجرائم وفق القانون.

لقد كان 26 سبتمبر 1962 لحظة انعتاق من نظام سياسي استمر عقوداً، وكما صنع اليمنيون فجر السادس والعشرين من سبتمبر في زمن لم تكن فيه الكاميرات موجودة لتوثق أحلامهم وتضحياتهم، فإن الأجيال اليمنية اليوم قادرة على حفظ تلك الذاكرة، وتوثيق حاضرها، وبناء مستقبل لا تتكرر فيه مآسي الماضي.

*مدير عام مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة


اقرأ ايضاً 

كاريكاتير

1