×
آخر الأخبار
الجوف.. القوات المسلحة تواصل تقدمها باتجاه جبال "الدحيظة" شرقي الحزم بعد مصادرة مصدر رزقه وتفاقم معاناته المعيشية.. أب يترك أطفاله أمام مكتب الأشغال بصنعاء منظمة حقوقية: الإعلان المفاجئ عن وفاة الموظف الأممي "الشامي" يلفت الانتباه إلى المأساة المستمرة لنحو 70 موظفاً أمميًا في سجون الحوثيين بعد سيطرة المليشيا على الحجرية.. أول حادثة انفجار لغم تسفر عن إصابة طفلين في ريف تعز تعز.. القوات المسلحة تحقق تقدما ميدانياً وتدحر مليشيا الحوثي من عدة مواقع بجبهة الأقروض قصف حوثي على تعز يودي بحياة طفلة وامرأة ويصيب أخرى تعز.. القوات المسلحة تخوض معارك عنيفة ضد مليشيا الحوثي الإرهابية في جبهة كحلان بصبر محافظ تعز يؤكد أنّ أبناء المدينة أخذوا على عاتقهم الدفاع عن الجمهورية الحوثيون يضاعفون معاناة اليمنيين.. يدفعون ثمن المياه مرتين ويحصلون رسوم الصرف الصحي رغم غياب الخدمة صنعاء تحت وطأة التجنيد الحوثي.. جثامين قتلى من تعز تصل مشوهة وسط تصاعد الضغوط لإرسال مزيد من المقاتلين
شهاب سنان

صحفي يمني

تعز.. حين تتحول إرادة مدينة إلى جدارٍ في وجه مشروع الكهنوت

الثلاثاء, 03 نوفمبر, 2026 - 06:05 مساءً

هذه تعز.. المدينة التي تؤمن بالتعايش مع جميع أبناء اليمن، وتفتح أبوابها لكل يمني، شماليًّا كان أم جنوبيًّا، دون تمييزٍ أو إقصاءٍ.

حين تأتي إلى تعز ضيفًا، تستقبلك المدينة وأهلها بقلوبٍ مفتوحةٍ، ويكرمونك أيًّا كان انتماؤك أو توجهك. وكم من الشخصيات زارت تعز، فوجدت من أهلها حفاوةَ الاستقبال وكرمَ الضيافة.

أمّا حين تأتيها غازيًا، متعديًا، تريد فرض معتقداتك ومشروعك بالقوة، وتسعى إلى إخضاع أبنائها وجعلهم تابعين لك، فهنا ستجد وجهًا آخر من وجوه تعز؛ وجهَ العزة والكرامة والدفاع عن الأرض والحرية.

هنا يصطف المجتمع التعزي صفًّا واحدًا، رغم اختلاف انتماءاته السياسية وتوجهاته الفكرية؛ لأن حبَّ تعز والدفاع عنها يجمع الجميع.

رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا وأطفالًا، وإعلاميين وصحفيين وأطباء وأساتذة وأكاديميين ودعاة ومشايخ وعقلاء وتجارًا، وكلَّ أطياف المجتمع.

كلٌّ يؤدي دوره بحسب قدرته وإمكاناته؛ فمن استطاع حمل السلاح لم يتردد، ومن لم يستطع وجد له دورًا في معركة الدفاع عن مدينته.

رجالٌ يقفون في مواقع الدفاع عن المدينة، وشبابٌ يعملون في الأحياء والحارات، ويساندون الأجهزة الأمنية في رصد ومراقبة أي خلايا تعمل لصالح مليشيا الحوثي. ونخبةٌ من الإعلاميين والصحفيين توثّق جرائم المليشيا، وتواجه خطابها، وتكشف حقيقتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية ومختلف وسائل الإعلام.

أمّا نساء تعز، فلهن حضورهن ودورهن العظيم. فكل أمٍّ تعزيةٍ تدفع بأبنائها للدفاع عن مدينتهم، وهناك من يشاركن في مبادراتٍ شبابيةٍ لإعداد الكعك والوجبات لأبطال المدينة، وأخرياتٌ يعملن ضمن الجمعيات والمبادرات التي تسعى إلى رفد المدافعين عن تعز باحتياجاتهم.

وفي مقدمة هذه الجهود تبرز المناضلة الأستاذة حياة الذبحاني، التي بذلت جهودًا كبيرةً في جمع التبرعات، وأسهمت في تحفيز الكثيرين على التفاعل والعطاء، إلى جانب أبناء تعز، ولا سيما المغتربين، وأبناء اليمن عمومًا في الداخل والخارج، الذين وقفوا مع مدينتهم في محنتها.

ولا يمكن أن نتحدث عن تعز دون أن نتحدث عن أبنائها الموجودين خارجها، في مختلف التشكيلات العسكرية وعلى امتداد الجبهات اليمنية؛ فقلوبهم معلّقةٌ بمدينتهم. فمنهم من عاد إليها للمشاركة في الدفاع عنها، ومنهم من بقي في جبهاتٍ أخرى لمواجهة المليشيا ذاتها.

في الثالث من سبتمبر 2026، شنّت مليشيا الحوثي هجومًا واسعًا ومفاجئًا على المناطق الساحلية غرب اليمن، مستهدفةً المخا وباب المندب. وفي العاشر من سبتمبر، سقطت مدينة المخا وميناؤها بيد المليشيا، عقب انسحاب القوات الحكومية والمقاومة الوطنية، لتواصل بعدها تمددها نحو مديرية ذُباب ومضيق باب المندب وجزيرة ميون.

ولم يتوقف الأمر عند الساحل الغربي؛ ففي الرابع من أكتوبر 2026، سقطت مناطق الحجرية جنوب تعز بيد المليشيا، عقب تراجع القوات الحكومية من مدينة التربة ومحيطها.

كانت هذه التطورات تحولًا ميدانيًّا خطيرًا، وأعطت المليشيا شعورًا بنشوة الانتصار، وظنّت أنها باتت قادرةً على إخضاع تعز والسيطرة على ما تبقى من مناطقها.

لكن تعز لم تكن مجرد مساحةٍ جغرافيةٍ تنتظر من يسيطر عليها؛ إنها مدينةٌ تمتلك ذاكرةً طويلةً من الصمود، ومجتمعًا يدرك معنى الحرية والكرامة، وأبناءً لا يقبلون أن يُفرض عليهم مشروعٌ بالقوة.

لقد واجه أبناء تعز محاولات التقدم بمقاومةٍ شرسةٍ، وتكبّدت المليشيا خسائرَ في صفوف مقاتليها وقياداتها، بين قتيلٍ وأسيرٍ، فيما ظل أبطال المدينة متمسكين بمواقفهم رغم شح الإمكانات ومحدودية ما يمتلكونه من أسلحةٍ.

وحين لم تتمكن المليشيا من تحقيق أهدافها، لجأت إلى قصف الأحياء السكنية بالصواريخ، وفرض الحصار على السكان، وحرمانهم من المواد الغذائية والمياه، في محاولةٍ لإخضاع أبناء المدينة وكسر إرادتهم. لكن تعز ظلّت ثابتةً، كثبات جبال صبر، وأثبت أبناؤها أن الكرامة والحرية لا تُنتزعان بالحصار والتجويع.

وبصمودها، رغم شح الإمكانات وصعوبة الظروف والتراجع في بعض الجبهات، قدّمت تعز نموذجًا لمدينةٍ يلتف مجتمعها حول حقه في الدفاع عن أرضه وكرامته.

هذه هي تعز، مدينةُ الثقافة والفكر والقلم، التي لم يكن كثيرٌ من أبنائها يحملون السلاح، بل كانوا يحملون الأقلام، ويصنعون الوعي، ويكتبون ويبدعون. لكن حين فُرضت عليهم معركة الدفاع عن مدينتهم ووطنهم، لم يترددوا في الوقوف دفاعًا عنها، كلٌّ من موقعه وبما يستطيع.

إنها تعز يا كرام؛ المدينة التي لا تدافع عن نفسها فحسب، بل تتمسك بحق اليمنيين جميعًا في العيش داخل دولةٍ يتساوى فيها المواطنون، دون امتيازاتٍ سلاليةٍ أو تمييزٍ مناطقيٍّ أو مذهبيٍّ.

لقد وحّدت تعز أبناءها، وجمعت اليمنيين شمالًا وجنوبًا في صفٍّ واحدٍ، وأثبتت أن الانتماء للوطن والجمهورية أكبر من كل الانتماءات الضيقة.

ومن المفارقات المؤلمة أن من يرفعون شعارات نصرة غزة ومناصرة المظلومين، تمارس جماعتهم الحصار والقصف وقتل الأبرياء في تعز. فمليشيا الحوثي التي تتحدث عن نصرة المظلومين، يمارس مقاتلوها بحق أبناء تعز الحصار والتجويع وسفك الدماء، في مشهدٍ يكشف التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسات على الأرض.

اليوم، تعز تنزف وتُحاصَر، لكنها لا تخضع ولن تركع. وما زال أبناؤها متمسكين بمشروع الدولة والجمهورية، مؤمنين بأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى على السلالة والاستبداد، وإنما على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

هذه تعز.. مدينةٌ لا تقبل العبودية، ولا تساوم على كرامتها، وستظل تحمل مشروع الدولة والجمهورية. لن تركع، وستنتصر بإذن الله، وسيبقى صمودها شاهدًا على أن إرادة الشعوب لا تكسرها الحروب ولا الحصارات.

وقد تكون تعز نقطةَ التحول التي ينطلق منها استعادةُ مشروع الدولة وإنهاءُ مشروع الجماعة الحوثية، والأيام كفيلةٌ بأن تكشف ما تخبئه قادمات الأحداث.
 


اقرأ ايضاً 

كاريكاتير

1