×
آخر الأخبار
العليمي: استعادة صنعاء واليمن الكبير هدف وطني جامع.. والدولة لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من الوطن القضاء العسكري يصدر حكمًا بإعدام 535 من قيادات مليشيا الحوثي بعد إدانتهم بالانقلاب والتخابر مع إيران سوريا وعُمان تصوم الخميس.. اليمن والسعودية وقطر والكويت تعلن غدًا الأربعاء أول أيام رمضان رابطة أمهات المختطفين تطالب الحكومة اليمنية والسعودية بتنفيذ التوجيهات الرئاسية وكشف مصير المخفيين قسرًا الشيخ "معوضة": الحوثيون يسعون لتحويل منازل مشايخ القبائل إلى مراكز للحشد ونشر الأفكار الطائفية بدعم من جمعية إنسان الخيرية.. مؤسسة كافل تدشّن مشروع كفالة نحو 1600 يتيم في اليمن مليشيات الحوثي تفرض طوقًا على منزل الشيخ حمير الأحمر في صنعاء مأرب.. إشهار تقرير "محامون تحت القمع" وتوثيق 382 انتهاكاً حوثياً بحق المحامين في أمانة العاصمة صنعاء المليشيا تعبث بالحزب.. جناح "المؤتمر" في صنعاء يفصل قياديين مختطفين في سجون الحوثيين "أمهات المختطفين" تدين تعرض مختطفين للوفاة جراء التعذيب في سجون جماعة الحوثي

الحوثي-الزبيدي.. ثنائية التفكيك وتبرير الكراهية

الاربعاء, 04 فبراير, 2026 - 04:20 مساءً


لحظة زمنية موغلة في الحضيض، تلك هي اللحظة التي اعتلى فيها شخصان مشبعان بالكراهية إدارة ناس كتب عليهم الحياة في عصر هذين الشخصين. كرس الحوثي كراهيته للجميع حين قرر أن يفرز الناس إلى أنصار للولاية، أو مرتزقة منافقين. وكانت هذه أولى بذور زراعة التفكيك لخارطة اليمن السياسية والعاطفية، وجُرد فيها الناس من إنسانيتهم ووطنيتهم معا. ولأنه قرر أنه في مواجهة مع أعداء الله، فلم يعد الخصم يمنيا يمكن الاختلاف معه، بل نزع عنه صفته الإنسانية، وهنا أصبح إيذاؤه عبادة، وقتله واجبا، وتجويعه تفصيلا صغيرا في معركة مقدسة. عزل صنعاء عن العالم، وأنهك الناس بمنعهم من الطيران، وحين حصلوا على تلك الفرصة دمر الطائرات بحماقاته، وأصر بعد ذلك أن يمنع كل محافظات الشمال من أي رحلة جوية، وآخرها ماحدث لطائرة المخا، ليكون بذلك قد زرع انفصالا كاملا للشمال، وانفصالا لتعز عن صنعاء، وصنعاء عن مارب، وكل المحافظات عن بعض. أُنشأ منافذ جمركية داخلية تُجبى فيها الرسوم على البضائع القادمة من مناطق في مشهد يفترض أن يكون صادمًا في دولة واحدة، لكنه مع الزمن صار أمرا طبيعيا. هكذا تحول الشمال، نفسيا واقتصاديا، إلى كيان شبه منفصل، يتعامل الناس مع حدوده الداخلية كما لو كانت حدود دولة، دون أن يجرؤ أحد على السؤال: كيف ولماذا؟ في المقابل كان على الجنوب أن يحتمل نفس المشهد الذي وزعت فيه باقات الكراهية بالجملة، فمنذ إقالة عيدروس الزبيدي من منصب محافظ عدن في أبريل 2017، ثم إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو من العام نفسه، وبدأ خطاب جديد يتشكل، لا يكتفي بعرض المظلومية الجنوبية، بل يعيد إنتاجها كهوية سياسية دائمة، ويعزز خطاب التقسيم في تعال مصطنع عن رؤية الإشكالية، ليُحمل مجتمعا كاملا ذنب أخطاء نظام سياسي. قرر عيدروس أن الجنوب محتل منذ مابعد 1994، لتركب عربة هذه الجملة سنوات من الإقصاء، فتحولت من توصيف سياسي إلى حكم أخلاقي جماعي.. لم يحاسب نظام، بل أُدين مجتمع.. لم يُفكك ظلم، بل أُعيد إنتاجه بلغة أخرى، ومع كل خطاب كان (الشمالي) يتحول من إنسان إلى رمز للذنب. لم يعد (الشمالي) توصيفًا جغرافيا، بل صار في الخطاب العيدروسي مرادفا للعدو الجمعي، ومع هذه الموجة العارمة من الكراهية لم ينس حتى إقصاء الجنوبيين أنفسهم، واحتكار تمثيل القضية، وتمت تصفية مئات الجنوبيين في عمليات إرهابية ممنهجة، ليحتفظ هو بحق الخطاب وحق النقاش وحق الهيمنة. مع الزمن، لم يعد الجنوب جنوبًا واحدا، بل جنوبات، جنوب المجلس الانتقالي، جنوب يُقصى لأنه لا يهتف، جنوب يُخَوَّن لأنه يسأل، وجنوب صامت لأن الصمت أأمن. المأساة الأعمق أن هذا الخطاب خلق شعورا ثقيلا بالذنب لدى كثير من الشماليين، بلا محكمة ولا عدالة، ذنب جعل كثيرين يصمتون أمام اختلال فادح، دولة تُدار فعليًا من أجل الجنوب، كهرباء وخدمات وإنفاق وحضور حكومي، وكل مفاصل الدولة في يد أبناء المحافظات الجنوبية، في مقابل شمال بلا رواتب ولا خدمات ولا أفق، ومع ذلك، لم يُناقَش هذا الخلل كقضية إنصاف، بل كتعويض تاريخي. هكذا اجتمع عبدالملك الحوثي وعيدروس الزبيدي في منهج استحواذي على مقدرات الناس أولا، ثم تمثيلهم بالقوة ثانيا. كلاهما قسم المجتمع إلى "نحن" و"هم"، وزرعوا كراهية أصبحت تطرح  كـ"وعي"، و"قضية"، و"حقيقة تاريخية"، وهنا تكمن الجريمة السياسية الكبرى، حين يقنع قائد شعبه أن الانقسام فضيلة، وأن الآخر عبء، وأن الوطن فكرة قابلة للتفكيك، وهكذا تحوّل الغضب إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك، وصار في الجنوب كل ما هو "شمالي" موضع شك، وكل رأي وحدوي خيانة، وكل اختلاف جنوبي خدمة لأعداء القضية، وفي الشمال كل من هو رافض لفكر الولاية منافق ومرتزق. اليوم، لا يوجد شمال واحد لنحاسبه، ولا جنوب واحد ليستعيد ماضي، بل قطع متكسرة من الخرائط القديمة، هويات صغيرة، كل واحدة تحمل الرواية التي ترى أنها الأحق، وتتهم الأخرى، وتنسى الإنسان العالق بينهما. أخطر ما فعله هذان الخطابان أنهما لم يطلبا من الناس أن يكرهوا بعضهم، بل علموهم كيف يبررون الكراهية، وحين تبرر الكراهية، تصبح أخلاقا، ليجد الوطن نفسه مجرد ساحة للموت.


اقرأ ايضاً 

كاريكاتير

1